السيد مهدي الرجائي الموسوي
263
المحدثون من آل أبي طالب ( ع )
فقال صلوات اللّه عليه : لا يا أحنف ، إنّ اللّه سبحانه أحبّ أقواماً تنسّكوا له في دار الدنيا تنسّك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة من قبل أن يشاهدوها ، فحملوا أنفسهم على مجهودها ، وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه سبحانه توهّموا خروج عنق يخرج من النار يحشر الخلائق إلى ربّهم تبارك وتعالى ، وكتاب يبدو فيه على رؤوس الأشهاد فضائح ذنوبهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلاناً ، أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيراناً ، وتفارقهم عقولهم إذا غلت بهم من أجل التجرّد إلى اللّه سبحانه غلياناً ، فكانوا يحنّون حنين الواله في دجى الظلم . وكانوا يفجعون من خوف ما أوقفوا عليه أنفسهم ، فمضوا ذبل الأجسام ، حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم ، خامصة بطونهم ، متخشّعون كأنّهم شنان بوالي ، قد أخلصوا للّه أعمالهم سرّاً وعلانية ، فلم تأمن من فزعه قلوبهم ، بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم ، فلو رأيتهم في ليلتهم وقد نامت العيون ، وهدأت الأصوات ، وسكنت الحركات من الطير في اركود ، وقد نبّههم هول يوم القيامة والوعيد كما قال سبحانه ( أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ) فاستيقظوا إليها فزعين ، وقاموا إلى صلاتهم معوّلين ، باكين تارة ، وأخرى مسبّحين ، يبكون في محاريبهم ويرنّون ، يصطفّون ليلة مظلمة بهماء يبكون . فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياماً على أطرافهم ، منحنية ظهورهم ، يتلون أجزاء القرآن لصلاتهم ، قد اشتدّت إعوالهم ونحيبهم وزفيرهم ، إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم ، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفّدت في أعناقهم ، فلو رأيتهم في نهارهم إذاً لرأيت قوماً يمشون على الأرض هوناً ويقولون للناس حسناً ، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ، وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ، قد قيّدوا أقدامهم من التهمات ، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلّموا في أعراض الناس ، وسجّموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض ، وكحلوا أبصارهم بغضّ النظر إلى المعاصي ، وانتحوا دار السلام التي من دخلها كان آمناً من الريب والأحزان . فلعلّك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الأسقام بغاضرة وجهها ، ودار قد أشغلت بنقش رواقها ، وستور قد علّقتها ، والريح والآجام موكّلة بثمرها ، وليست دارك هذه دار البقاء ، فأحمتك الدار التي خلقها اللّه سبحانه من لؤلؤة بيضاء ، فشقّق فيها أنهارها ،